2- الصدق والأمانة

الأمانة هي مرآة الصدق فمن صدق مع نفسه كان أمينا لأن العلاقة بينهما علاقة تناسبية طردية؛ فكلما زاد الإنسان شفافية مع نفسه وتجرد مع نفسه بإستقراء أفكاره كلما كان واضح وسهل عليه أن يكون أمينا دون جهد لأنها ترسخت بذاته كأساس، لذلك الأمانة لا يمكن لبسها او تصنعها وإلا أصبحت إدعاء. والأمانة بتعريفها البسيط هي “حفظ شيء او أمر يخص الغير الى حين أن يسترجعه صاحبه” فهي تخص ممتلكات الغير لا يملك المؤتمن عليها أن يتصرف بها دون إذن من صاحبها، وبما أننا أقرينا إنها ممتلك للغير أي تخص طرف آخر فهي حتما ينطبق عليها ميزان “الحق والواجب” الذي يجب أن يكون متوازن ليحقق العداله، فمن حق المدعين على القاضي ان يكون موضوعي وحيادي وأن يحكم بحدود القانون ونصوصه، ومن واجب المدعين على القاضي أن يقدموا له الحقائق كاملة دون نقص أو تأويل أو تدليس ضمن الضوابط القانونية لعمل ذلك؛ فبدون الحق الذي يقدمه القاضي لا تتحقق العدالة وبدون الواجب اللازم على المدعين تجاه القاضي لا تتحقق الثقة. وتكمن أهمية ميزان الحق والواجب في كونه شرط أساسي ينفي “الهوى” الذي قد يجعله يميل بحكمه الى مصالحه الخاصة أو علاقاته الخاصة كالقبيلة والعائلة والصداقة. وجود “الهوى” يؤدي الى وجود الإستغلال بكل أشكاله، والإستغلال بحالة موضوع الأمانة يسمى “خيانة أمانة”، فتعيينات المناصب على أساس الهوى هي خيانة أمانة والإعلام المحرف أو الموجه هو خيانة أمانة والدروس الخصوصية عندما يتعمدها المدرس هي أيضا خيانة أمانة. دوافع الهوى كثيرة لكن أهمها دوافع مالية ومصالح خاصة مغلفة بنوع من أنواع الجهل وهو جهل الذات وجهل الأخلاق، ولهذا الجهل عواقب وخيمة لأنها تدخل الإنسان في دائرة الإنتقام وليس البناء، وأخطر مكانين يكون فيه الإنتقام هو الداخلية والقضاء لكونهما حاملين لأمانة الحريات والممتلكات.
إختيار الأمانة يتطلب تأسيس قيمي قوي لدى الفرد منذ صغره، فأنا أذكر حادثة أثارتني منذ طفولتي وهي عندما إستلمت أحدى زميلاتي بالفصل، ونحن في الصف الرابع إبتدائي، لورقة نتيجة الإمتحان فوجدت خطأ قامت به المدرسة وهو أن المدرسة إحتسبت نتيجة صحيحة لحل خطأ، فنصحتها زميلة أخرى بالسكوت وأن “تطوف السالفة وكأنها ماتدري”، إحتارت زميلتي لفترة دقائق وكأنها بصراع بين الحق الذي يجب أن يظهر وبين مصلحتها في عدم إنقاص درجتها، إلا إنها بالنهاية إتجهت للمدرسة وأبلغتها بالخطأ فما كان من المدرسة إلا أن صححت الخطأ وأن أعطتها علامة كاملة على الإمتحان كتقدير منها للطالبة على أمانتها.
لكل منا تجربته مع الأمانة والصدق مع الذات ولدينا كلنا قصص نرويها عن الأمانة كما لدينا كلنا رؤانا المختلفة عن الأمانة، أتمنى أن أسمعها منكم واتعرف على آراؤكم.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عالية الخالد