من أين تبدأ التنمية؟

نطالب اليوم بالتنمية وهي اصطلاحا خطوات تقدمية نحو الأمام أو للارتقاء، واصطلاح «خطوات تقدمية» يعكس ويشير إلى معنى «تغيير». فسنة الحياة هي التغيير، النمو الجسماني والمعرفي والهرموني هو تغيير، والوقت بجوهره هو تغيير فلا يمكننا فهم الوقت وقياسه دون التغيير في دوران الأرض والكواكب، فالحركة هي أساس الكون بموجوداته، لذلك يقول هيراقليطس “قد يكون التغيير هو الثابت الوحيد في الوجود”.

وبما أن التنمية خطوات تقدمية وتغيير فهي إذن تعني إنتاجا وزيادة فيه من خلال جهود علمية فكرية وثقافية مشتركة بين أفراد ومؤسسات.

وفي هذا الصدد يشرح د.علي الوردي الإنتاج بأنه «براعة تنال بالجهد والمران»، ونلاحظ هنا ترابطا بين مصطلحي البراعة والمران، فالبراعة لا تكون إلا بالمران، والمران عبارة عن تكرار وممارسة يكتنفها النجاح والفشل في مسيرة بلوغ الهدف وتطويره، فلا يعتبر الفشل ولا النجاح أسبابا كافية أو صحيحة لتوقف الجهود والمران، فمن الفشل يظهر النجاح كما يظهر النور من العتمة. كما أن هذه الجهود والبراعة لا تتحققان أو تزيدان إلا بوجود مجال مليء بالخيارات وتوسعها، فالخيارات عبارة عن احتمالات تجريبية يتم انتقاؤها بناء على المعرفة وسعتها وبناء على الهدف الدقيق المرجو ضمن بيئة صحيحة بعوامل متعددة تضمن الممارسة والتجريب، فالتخطيط للهدف لا يعني حتمية النجاح لكن زيادة فرص النجاح وقبول الفشل إن حصل لفهم أسبابه ومعالجتها لخلق التطور المعرفي. والخيارات لا تتحقق إلا بوجود وعي ذاتي لدى الفرد (أي تكون ووجود لحدود دائرته الذاتية والتي يعرف منها «ماذا يريد» بكل دقة ووضوح)، فالإنسان الواعي لذاته ولما يريد تكون خياراته عديدة فيكون بذلك فردا متقبلا متعدد الأبعاد، أما غير الواعي فخياراته محدودة، لذلك يكون فردا تابعا ذا بعد واحد امتثالي يصعب عليه رؤية الخيارات فتصعب عليه التنمية تباعا. فسيارات القيادة الذاتية والتي ستكون القادم التكنولوجي الجديد للسيارات الحديثة (وهي سيارات تسير في الطرق دون حاجة لسائق) بدأت بفكرة من أفراد في بداية حقبة التطور التكنولوجي والحواسيب في الستينيات، وتم العمل بها فعليا في فترة الثمانينيات (بعد التأكد من إمكانية عملها بسبب التطور التكنولوجي) ضمن مخطط واضح يعكس الهدف بكل دقة ومن ضمن بيئة صحيحة تقبل الفشل وتحوله لنجاح بالممارسة، ومن خلال جهود أفراد واعين بما يريدون ومن ضمن خيارات تتيح التجريب. بعد أربعين عاما من «البراعة والمران» (كما يسميها علي الوردي) أصبحت اليوم تكنولوجيا هذه السيارات حقيقة ودخلت ضمن مخططات شركات صناعة السيارات مؤخرا بتوقع أن تتواجد فعليا في الطرق بعد سنتين أو ثلاث، وتم مؤخرا وفي عام 2017 قبول تشريعاتها المبدئية في أميركا من قبل US House Committee. حصل هذا التغيير بسبب فكرة وضعها أفراد وعملت عليها مجموعة أخرى من الأفراد تلاقوا بالهدف وجمعتهم بيئة عمل صحيحة لأنهم جميعا يعرفون «ماذا يريدون» ولم ينتظروا أحدا يملي عليهم ونيابة عنهم «ماذا يريدون» ولم ينقطع العمل بخروج أفراد ودخول آخرين لأنهم اتفقوا على هدف يشكل جوهر تحركهم.

البداية الصحيحة دائما تنطلق من الفرد ذاته، فإن كان ضائعا بذاته فسيكون ضائعا بالعالم الخارجي وإن كان واعيا فاهما ومدركا بذاته فسيكون فاعلا ومنتجا بالعالم الخارجي لأنه يمتلك بوصلة معرفية تحدد وجهته وتعيده للطريق إذا تاه عنه نتيجة ظروف بيئية خارجية، فلا يمكن أن نطالب بمجتمع نزيه إن لم نمارس النزاهة ولا مجتمعا صادقا إذا لم نمارس الصدق ولا مجتمعا منتجا إن لم نمارس الإنتاج، وقس على ذلك القيم الأخرى المختلفة كالعدل والمساواة والحرية التي نطالب بها ليل نهار، يقول أبو الأسود الدؤلي: «لا تنه عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت عظيم»، وتقول سونيا جونسون الكاتبة والناشطة النسوية “شخص واحد عاقد العزم يمكن أن يقوم بعمل تغيير كبير، ومجموعة صغيرة من الأشخاص فاقدي العزم يمكنها أن تغير مسار التاريخ”.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عالية الخالد