“تيرن أوفر”

في علم الإدارة «التيرن أوفر» هو مقياس إداري يُقرأ منه مدى استقرار الموظف في مكان العمل، وبالتالي استمراره به، الذي سيؤدي إلى ولائه لمكان العمل ورفع الانتاجية، فهل يمكن استخدامه هنا في الكويت؟
في حديث شيق خلقته الصدفة مع أحد الاشخاص، تحدثنا عن الثبات على المبدأ والصمود أمام جبهة الفساد والمفسدين، وتطرقنا الى أوجه الفساد المتفشية في البلاد وسوء الحال الذي وصلنا إليه من فقد للذمة والضمير. خلال هذا الحديث وبعده تواردت لي فكرة علاقة ما يسمى بـ«التيرن أوفر» للموظفين (وهو مقياس يقيس نسبة استمرارية الموظفين في مكان عملهم) والصورة النمطية المكتسبة لفكرة «التيرن أوفر» لدينا.
قد يتساءل القارئ: ما العلاقة؟ وما دخل هذا بذاك؟ بكل بساطة مقياس «التيرن أوفر» هو مقياس إداري يُقرأ منه مدى استقرار الموظف في مكان العمل، وبالتالي استمراره بالعمل الذي سيؤدي إلى ولائه لمكان العمل ورفع مستوى الانتاجية، طبعاً هذا هو الشرح البسيط المتعارف عليه عالميا في علم الإدارة، ونجد في الكويت، وبسبب صغر مجتمعنا، ان تنقلات الموظفين بين شركة واخرى تكون بائنة وواضحة، وغالبا ما تكون متداولة الحديث، خاصة بين موظفي الجاليات العربية، وايضا في اغلب الأحيان يحمل مكان العمل اللوم لخروج الموظفين واستبدالهم، وهذا قد يكون صحيحا ومؤشرا حقيقيا في أسواق وبيئات عمل صحية تحمل تكافؤ الفرص والاحترافية بين طياتها. ولكن ان كانت البيئة فاسدة ولا تنتج إلا فاسدين مستغلين، يلتحقون بمكان العمل وفي اذهانهم صورة نمطية مكتسبة من بيئة السوق وعن كيفية إدارة التعاملات فيه (من عمولات ورشى وخدمات.. الخ)، فهل يلام مكان العمل الذي يسعى ويهدف لإدارة تحارب الفساد؟! هل تلام إدارة العمل اذا اتخذت قرارا باستبدال موظفيها بآخرين استنادا على اخلاقيات المهنة؟! هل يجوز هنا استخدام حجة مقياس «التيرن أوفر» في الحكم على مستوى الإدارة لمكان العمل؟! هل صحيح هو فهمنا للصورة النمطية الخاصة في «التيرن أوفر»؟ وهل هذه الصورة النمطية فعلا تعكس هذا المؤشر كأداة قياس علمية على أسس صحيحة، أم هي مجرد مصطلحات تفهم بمعناها العام وتركز على جانب دون جانب آخر؟
تقريباً للفكرة المراد ايصالها، اسأل نفسك: هل تفضل وجود موظف مرتش أو صاحب تعاقدات مشبوهة، على ان تقوم باستبداله بمن هو أفضل؟! الإجابة تعتمد على توجه واخلاقيات مكان العمل، فان كان مكان العمل يقبل بهذه الممارسات مقابل مشاركة بالعمولات، إذاً لا توجد مشكلة وليس هناك تيرن أوفر عال، ولكن ان كانت اخلاقيات مكان العمل لا تسمح بذلك، فسيكون حظها عاثرا في الحصول على موظف اخلاقي في بيئة سوق استغلالي لا اخلاقي، لهذا يتحتم على إدارة العمل القيام بالاستبدال حتى حصولها على الموظف المناسب ولا أقول المثالي.
ريتشار برانسون، مؤسس مجموعة شركات فيرجن الانكليزية، لديه مقولة تعجبني جدا وهي (بتصرف) «أفضل ان تكون لدي فجوة في فريق عملي على ان اقبل بشخص لديه فجوة بدماغه». ومن أهم أسس اختياره للموظفين الشخصية، ومن بعدها ينظر الى مؤهلاته العلمية وخبراته.
نحن في الكويت لا نمتلك بيئة صحيحة ولا أخلاقيات تعاملية محترمة، ولدينا موظفون مستباح عندهم الفساد، ولا يملكون من المؤهلات الا الفهلوة، وان كان منهم من لديه مؤهلات حقة فنراه يبحث في خارج البلاد وفي بيئة مستقرة قانونياً وتُحفظ فيها الحقوق.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عالية الخالد